أرخبيل السلام

أرخبيل السلام

الاخبار –  وليد شرارة

 

تشهد المنطقة تحوُّلات كبرى في بيئتها الاستراتيجية، هي جزء من تلك الجارية على صعيد عالمي بفعل التغيُّرات المتسارعة في موازين القوى الدولية والإقليمية. يعتقد البعض أن الإجهار بتحالف عدد من الأنظمة الخليجية، والعربية الأخرى، مع الكيان الصهيوني، تحت مسمّى التطبيع، هو من بين أبرز معالم البيئة الاستراتيجية القادمة. حَرّر هذا التطوُّر ألسن قادة هذه الأنظمة ومريديهم من «المثقفين» والسياسيين والإعلاميين العرب واللبنانيين، للإعلان عن نهاية مرحلة من تاريخ المنطقة، كانت فلسطين أهمّ عناوينها، وبداية عصر السلام والرخاء والاندراج في «الزمن العالمي» عبر التحالف مع إسرائيل. بنظر هؤلاء، فلسطين ليست أساساً أرضاً محتلّة شُرِّد شعبها من قِبَل استعمار استيطاني إحلالي، بل رمز لزمن القومية العربية وموجبات التضامن العابر للحدود القطرية والصراع مع الغرب، والذي يجزمون بسعادة غامرة أنه انقضى إلى غير رجعة. أمّا إسرائيل، فهي ليست، بالنسبة إليهم، مجرّد حليف في مواجهة خصوم إقليميين أقوياء، كإيران وتركيا مثلاً، بل قطب علمي وتكنولوجي واقتصادي مُمثّل لعصر الحداثة والتقدُّم في إقليم ملتهب، والمَعبر الرئيس لذلك العصر. هذا هو المعنى الفعلي لتغريدة لقمان سليم، أحد رموز التيار الفكري – السياسي المذكور، ومفادها أن المطلوب «ليس التطبيع، بل الاستسلام الكامل» لإسرائيل، كمقدّمة للانتقال إلى عصر الحداثة العتيد.

تقاطُع أو حتى تحالُف الأنظمة الرجعية العربية مع إسرائيل والإمبرياليات الغربية خلال محطّات مفصلية في الصراع المديد والمستمرّ في العالم العربي، ليس أمراً مستجدّاً، لكن التغيُّر النوعي الراهن هو تطوُّر مستوى التحالف، وتداخل المصالح بين أطرافه، إلى درجة نشوء ما يمكن أن نُسمّيه «أرخبيلاً للسلام»، يضمّ الأقلّيات الاجتماعية الحاكمة في بلدان عربية، وإسرائيل والمراكز الإمبريالية، في مواجهة الأغلبيات الشعبية وقواها الوطنية، وتطلّعاتها للاستقلال الحقيقي والتنمية والعدالة الاجتماعية، وضدّ الدول المحورية المستقلّة في الإقليم.

تحالف للأقلّيات من نمط جديد
لعقود طويلة، اعتمدت إسرائيل، في صراعها مع العرب، «الاستراتيجية الطرفية»، التي ارتكزت، من جهة، إلى التحالف مع دول الجوار غير العربية (تركيا وإيران الشاه وإثيوبيا هيلاسيلاسي)، وإلى السعي لاستغلال وتأجيج النزاعات العرقية والطائفية في داخل البلدان العربية، ودعم المجموعات الأكثر تطرُّفاً التي تدّعي تمثيل «أقلّيات مضطهدة أو مهدَّدة»، كالتنظيمات الانفصالية الكردية، وأحزاب اليمين اللبناني المتشدّدة، والحركات الانفصالية في جنوب السودان، من جهة أخرى. وكان أوديد ينون، مستشار أرييل شارون، قد أسهب في محاضرة له سنة 1981، بعنوان «استراتيجية إسرائيل في الثمانينات»، في شرح سعي إسرائيل لتمزيق نسيج البلدان العربية الاجتماعي، والدفع لتقسيمها على أسس طائفية وعرقية. وقد استلهم المحافظون الجدد تلك الأطروحات، عندما رَوّجوا لغزو العراق وتفكيك دولته المركزية، وإطلاق ديناميات «الفوضى البنّاءة» في المشرق العربي، في بدايات الألفية الثانية. استهداف الأنظمة ذات المرجعيات القومية، وحركات المقاومة الشعبية، والجمهورية الإسلامية في إيران بسلسلة من الحروب المباشرة أو الهجينة، كان الترجمة العملية للأطروحات المشار إليها.

ستجد أطراف أرخبيل السلام نفسها وجهاً لوجه مع محيط غاضب يرغب في تصفية الحساب

وعلى رغم فشل مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بفضل المقاومة الضارية التي جوبه بها، فإن الأكلاف البشرية والمادّية الهائلة التي نجمت عنه بالنسبة إلى دول المشرق العربي ومجتمعاته، كانت لها انعكاسات خطيرة على موازين القوى داخل الإقليم، سمحت لبعض أنظمة الخليج بتجاوز الحدّ الأدنى العربي الرسمي حيال القضية الفلسطينية، والإجهار بالتحالف مع إسرائيل من دون اشتراط أيّ تسوية للقضية الفلسطينية. ولا شكّ في أن موجة الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية التي عصفت بالمنطقة وخوف الحكّام على عروشهم، وكذلك نموّ نفوذ إيران وتركيا، كانا أيضاً من بين العوامل الدافعة إلى تبنّي مثل هذا الخيار. لكن بالإضافة إلى السياق الإقليمي، فإن دوافع «ذاتية» لعبت دوراً حاسماً في حمل تلك النخب الحاكمة على تبنّي الخيار المذكور. فهي، بعد أن تَخفّفت تدريجياً من التزاماتها في إطار مؤسّسات النظام الإقليمي العربي، مُمثَّلاً بالجامعة العربية ومعاهداتها واتفاقياتها، تشارك اليوم في بناء منظومة إقليمية بديلة منه مع إسرائيل، مترابطة عضوياً في ما بين مكوّناتها ومنفصلة عن محيطها العربي – الإسلامي، ومتّصلة بأرخبيل العولمة النيوليبرالية. فالسمة الأبرز للعولمة المُحقَّقة فعلاً، كما أوضح المفكّر مانويل كاستيلز في كتابه المرجعي والاستشرافي الهامّ، «المجتمع الشبكي» الصادر في 1998، هي بناء أرخبيل يضمّ فضاءاتِ ثراء، أكانت مدناً أم حتى أحياء في مدن، متشابكة في ما بينها عبر العالم، ومتمايزة لحدّ الانفصال في بعض الأحيان، ولو بدرجات متفاوتة، عن محيطها المباشر الأفقر، أكان في داخل حدود بلدانها أم في جوارها المباشر. الجيل الجديد المعولم من النخب الحاكمة في الإمارات والبحرين والسعودية والمغرب، وقطاعات من النخب السياسية والثقافية في بلدان عربية أخرى بينها لبنان، ينتمون مصلحياً وثقافياً ووجدانياً إلى هذا الأرخبيل، ويُنظِّرون للروابط القومية أو الدينية على أنها مُخلّفات لماضٍ انقضى.
الإمارات التي تحتلّ فيها دبي موقعاً مُتميّزاً في الأرخبيل، دفَع المُفكّر الأميركي، مايك ديفيس، إلى تأليف كتاب عنها بعنوان «مرحلة دبي في الرأسمالية»، تلعب دوراً «ريادياً» في هذه العملية. ويشير حسين إيبيش، الباحث في «معهد دول الخليج العربي في واشنطن»، في مقابلة مع «لوموند»، إلى أن «مسار التطبيع بين الإمارات وإسرائيل فريد من نوعه ويتقدّم بكلّ سرعة. الإمارات تريد اندماجاً في جميع المجالات مع إسرائيل، بينما طموحات الدول الأخرى التي اعترفت بها، كالبحرين والمغرب والسودان، أكثر تواضُعاً». وقد باشرت مؤسّسات هامّة لدى الطرفين في تطوير تعاونها المشترك، كـ«مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» مع «مركز السياسات الإماراتي»، و«بنك هبواليم» مع بنك «دبي الوطني»، و«معهد وايزمن للعلوم» و«جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي». الأقلّيات الاجتماعية الحاكمة قرّرت أن تربط مصيرها بالكيان الاستيطاني الصهيوني، الأقلّوي بدوره، في مقابل المحيط الأغلبي العربي – الإسلامي ودوله المركزية.

مآل الأوهام المعولمة
تشترك النخب المعولمة الحاكمة في الخليج، ووكلاؤها الأيديولوجيون والسياسيون في بعض البلدان العربية، في منظورها للملايين الغفيرة في الفضاء العربي – الإسلامي، وللدول المركزية ذات النفوذ الإقليمي، مع المنظور الصهيوني لها، باعتبارها تهديداً وجودياً. والسلالات التي استأثرت بالثروة النفطية القومية، وحرَمت الأغلبيات الشعبية العربية ودولها منها، ترى سلامتها، حالها حال المستعمرة الصهيونية، في رعاية المنظومة الإمبريالية الغربية، وفي خراب الحواضر العربية – الإسلامية وشقائها. ساهمت في نكب العراق وسوريا وليبيا، وهي تتآمر على إيران وتركيا، ولا تتمنّى لمصر سوى السوء، وفجّرت حقدها الدفين على شعب اليمن. غير أن السياق الاستراتيجي العام الذي نشأ في ظلّه وبفضله أرخبيل العولمة، أي سياق الهيمنة الأميركية والغربية، يحفل بالتحوُّلات التي تُفضي إلى تراجع هذه الهيمنة، واحتدام التناقضات بين أقطابها وقوى دولية صاعدة. الأولويات الجديدة للرعاة الغربيين تفرض عليهم التركيز على بقاع أخرى من العالم، جوار الصين وروسيا، على حساب الشرق الأوسط. قريباً، ستجد أطراف أرخبيل السلام نفسها وجهاً لوجه مع محيط غاضب يرغب في تصفية الحساب.

شارك الخبر